19 | الصباحُ الأوّل منذُ رحيلك

 

“لماذا نُفكر دائمًا في نهايات الأشياء
رغم أننا نعيش بدايتها !؟
هل لأننا شُعوب تعشق أحزانها ؟
أم لأننا من كثرة ما أعتدنا من الخوف
أصبحنا نخاف على كل شيء ، ومن أي شيء !
حتى أوقات سعادتنا ، نخشى عليها من النهاية !”  ـ فاروق جويدة

الزمنُ هذا يا فاروق علّمني الفقد .. أعترف أني من النوع القلق جداً رغم اتّسامي بالهدوء والبرود أحياناً .. “لماذا نفكر دائماً في نهايات الأشياء؟ ” فعلاً لماذا يُشغلنا هذا التفكير أكثر من غيره .. ليس الأمرُ فقط لأننا اعتدنا الخوف فأصبحنا نخافُ من كل شيء .. ربّما من أجل كثرة ما نُصاب بالفقد .. نحنُ مرضى الفقدِ يا فاروق .. نفقِدُ كل شيء .. فما حولنا لا يدوم .. نحنُ نفقِدُ ونُفقد .. فاقدون ومفقودون في الوقتِ ذاته ورغم ذلك نخافُ منه !

نحنُ الذين اعتادت قلوبهم على الآلام والأحزان .. والخيبات والصدمات .. لازلنا نخشى الفقد! نحنُ الذين فقدوا أكثر مما يحتمل .. ولازلنا عُرضةً للفقدِ في كل يوم وكل ساعة تمضي ..

كان ذلك الصباح ، الأوّل منذُ رحيلِك ..

الكلمات التي أهرُب منها بالعادة .. رددتُها وأنا لا أعي أيّاً منها .. أكانَ ذاك وداعاً يا تُرى؟ حفظتُ كلماتك التي تخبرني بأنك سترحل ، “لا يهمّ .. اليوم أو غداً .. ولكن لا تفزعي إن استيقظتِ يوماً ولم تجديني ” .. لا أدري لمَ تفكّر بالرحيل دائماً؟ ولا أدري لمَ تجعلني أعتادُ غيابك المتكرّر .. امتهنت الغياب .. وأصبحتَ تُجيدُ البُعد أكثر ..

Continue reading

18 | ضجيج و شيءٌ من سكون

مضت الأيام سريعاً .. أسرع مما ظننت .. وأسرعَ جداً مما ينبغي لها .. مضت هكذا دون أن تسمح لي أن أستوقفها بلحظة .. أكتبها .. أصوّرها .. وأخبّئها في جيبِ ذاكرتي، كل شيءٍ حولي كان يجري سريعاً .. إلا أنا .. كنت كالعاجزة تماماً عن اللحاقِ بهم .. شيءٌ ما يقفُ بيني وبينهم .. صوتٌ ما يصرُخ برأسي .. يُعيقُني عن سماعِ أصواتهم التي تُناديني من بعيد .. و عُتمةٌ شديدة تمنعني عن ضوئهم الذي يخترقُ عيني و يُبدّدُ ظلاماً يُحيطُ بي حين وحدتي ..

استيقظتُ اليوم .. ولم أفُق بعد من حلمٍ رافقني لمدة أيام .. كنتُ في حالة لا أدري كيف أصِفُها .. كانت رغم كل شيء .. سعيدة جميلة .. ولكني لم أعي كل ما حدث إلا متأخّراً جداً .. بعد أن رحلت تلك الأيام التي لم أستطع أن أعيشها كما كانت .. تمنيت أشياء كثيرة لكنها لم تتحقق .. أعترف بأني لم أسعى لها .. لأسباب كثيرة قد لا أفهمُها كلها .. أو لأني فقط لا أريدُ أن أفكّر بها .. ليس عجزاً منّي بل لهربي منها وعدم رغبتي بالحديث عنها ولو بيني وبين نفسي والكتابة ..

أن تصِل لمرحلةٍ كهذه .. أن تمنع نفسك من كتابة شيءٍ ما لأنك خائف .. منها! تخاف أن تكتُب ما كنت تمنع نفسك من الكلام عنه .. تخافُ أن تصرُخ بما كنت تحاولُ جاهداً أن تكتُمه و تخبّئهُ جيداً .. بعيداً عنهم .. وعنك أيضاً ..

كم نبدو ضُعفاء جداً حينما نخشى أن نواجه أنفسنا .. أن نهرُب من كل شيء قد يُرغمنا على البوحِ بأشياء لا نريدُ لأحدٍ أن يسمعها أو يقرأها .. أحياناً ولضعفي الشديد .. أعترف بأني أخشى كثيراً أن أكتُب لأني لا أُريدُني أن أقرأ ما كتبت ..

Continue reading

17 | قلق؟

كانت الساعة الثالثة صباحاً عندما رنّ الهاتف لأول مرة ولكنه توقف ، وما أن وضعت رأسي من جديد لأنام حتى سمعت بعض الطرق على باب غرفتي .. ترددت قليلاً في فتحه .. إخوتي الصغار لا يطرقون الباب عادةً ، هم يقتحمون الغُرفة دون أيّ استئذان .. لذا ، أستطيع أن أقول بأني كنت خائفة بعض الشيء ..

لم يكن السيد روتشيستر واقفاُ خلف الباب ويطرقهُ على عجل ، لتخرج جين آير ويكلّفها بمراقبة أخ زوجته القادم من أسبانيا .. ولم يكن شخصاً ذو قناع مُخيف ، يحمل بيدهِ مُسدّساً أو سكيناً كبيرة يُهدّدني بها .. ولم يكن على أيّ حال شبحاً .. كأحد أعمام كاسبر الكريهي الرائحة والمُثيري للاشمئزاز ، يطرقون الباب لمجرد الإزعاج ثم يعبرون من خلاله .. آه وليس قنديش ابن أخت عيشة قنديشة زوجة ضاري في رواية الجنية .. ولو أني قد تمنيتُ الأخير ، رغبةً في حديث فلسفي شيّق .. لكن لم يكن أيّاً منهم..

عُدت إلى سريري ، ظنّاً منّي بأني كنت أتخيّل ذاك الطرق الخفيف .. لكن ، لم تلبث دقائق حتى عاد الطرق مرة أخرى .. بنفس ذاك الصوت الرتيب الهادئ .. مددت يدي نحو مقبض الباب بثقة لم أعهدها مني وفتحته .. ولخيبتي ، أيضاً لم أجد أحداً ..

Continue reading

16 | وأحلام مثلي ، صغيرة كبيرة

” طبية أطفال ” .. هذا ما كنت أردّدهُ دائماً عند كل سؤال ” ماذا تريدين أن تُصبحي عندما تكبُرين؟ ” وأُشيرُ إلى خالتي بأني سأدرُس الطبّ مثلها لكن سأكون طبيبة أطفال .. كنت في كل مرة أذهب بها إلى محلّ الألعاب أشتري أدوات الطبيب وأمشي في البيت وسمّاعة الطبيب على عُنقي وبيدي الحقيبة التي تحملُ باقي الأدوات .. لطالما استرقتُ النظر إلى الطبيب الذي نذهب إليه في العادة وهو يهمس لأخي الصغير ” افتح فمك يا شاطر” ثم أبتسم .. فينتبه إليّ ويبادلني الابتسامة .. لم أكن أخاف منهُ عكس إخوتي الذين كان والديّ يدفعونهم إلى الاستلقاء على السرير ذاك بعد مسلسل الدموع ومحاولات الإقناع ليقوم الطبيب بالكشفِ عليهم .. ومن ثم تقديم الحلوى لهم .. كبرتُ وكبُر هذا الحلم معي .. حتى تخرّجت من الثانوية بمعدّل أقلّ مما يسمح لي بدخول هذا التخصّص ولازلت أحمُد الله على عدم دخولي إيّاه .. مجرد التفكير بمنظر الدم أو الجثث التي تملأ معمل التشريح يُرعبني .. لا أستطيع أن أتحمّل رؤية شخص يشكو ويتأوّه أمامي وأفشل في مساعدته وأظلّ لأيّام وأيّام وهوَ يُشغِلني .. خالتي كانت تردّد لي دائماً “الطبّ يحتاج قلب قوي ويتحمّل” .. ” أنا أثِق بك وبعزيمتك وقدرتك على النجاح لكن أن تمتهني الطبّ.. أخشى ذلك” كانت – ولسببٍ لازلت أجهله أو ربما بدأت أقتنع بهِ مؤخّراً – تقول ” لا أظن بأنّ الطب مناسب لكِ ” كنت أقول لها لمَ كل هذا التحبيط؟ .. لكنّي الآن عرفت .. والحمدلله على ما أصبحت عليه ..

Continue reading

15 | إلى صديقتي ، إلى أمي

كنتِ أوّل صديقة لي أيّام المُراهقة .. حينما كنت أتعثّر كثيراً وأسقُط دون أن أعرف كيف أنهض مرّة أخرى ، ولازلت .. كنتِ تعرفين كل شيء عني .. تقريباً كل شيء .. تفاصيل يومي ، صديقاتي .. أسماؤهنّ وأشكالهنّ وكل ما يتعلّق بهنّ .. كانت فترة العصر هي المحبّبة إليّ .. نحتسي القهوة معاً .. نثرثرُ عن كل شيء .. أخبركِ عمّا حدث خلال يومي وأنتِ تخبريني عن صديقاتك – معلّماتي – في المدرسة التي كنا نذهب إليها سويّاً .. في أولى أيامي بالمدرسة المتوسطة .. أذكُركِ وأنتِ تُعرّفيني إلى زميلاتك واللاتي تعوّدن بعدها أن يُنادينني باسمي كما تُناديني بهِ أنتِ ” أسومة ” .. لطالما شعرت بالخجل الشديد وهنّ يعاملنني بشكل مختلف عن زميلاتي الأخريات في الفصل .. أخبرتُك مرّة بأني لا أحبّ ذلك وطلبت منكِ لو تُخبرينهنّ بأني لا أحب أن ينظروا إليّ بشكل يختلف عنهنّ ، لازلت أذكر تلك المرّة حينما فقدت دفتري وكانت صديقتك – أستاذة الدين – غاضبة جداً حتى أنّها “هدّدت” من قامت بسرقته أو إخفائه بالعقاب وإخبار الإدارة عنها .. حتى وجدته مُلقى في اليوم التالي بجانب باب الفصل .. أذكُر بأني غضبت كثيراً .. لم أحبّذ تصرّفها ذاك ومعاملتها المميزة لي واختلافي عن زميلاتي الأخريات.

Continue reading