بابُ النسيان

و هأنذا أقفُ على عتبةِ بابِ النسيان .. مُتردّدةٌ في قرعِه .. أمستعدّةٌ أنا بالتخلّي عن كلّ الذكرياتِ التي نسجتُها على قُماشِ الذاكرةِ الأبيضِ؟

و حرصتُ على تطريزِها بألوانِ السعادةِ التي كستها عندما حدثت وبدأت بغرزِ خيوطِها بإتقانٍ في ذاك القُماشِ الخالي من كل شيءٍ عداها !

ذاكرتي أكبرُ بكثيرٍ مما يبدو عليهِ قلبي .. فـهي تسعُ للكثيرِ من الذكريات .. و الأشخاص .. و الأشياء .. وكل شيءٍ لا يملكُ سكناً و مأوى ..

تقبلُ المشاعِر المُشرّدة .. و التائهة .. و تستقبلُ في اليومِ أكثر من بيتٍ للأحاسيس المُتعبة .. التي قذفها القلبُ بعيداً عنه .. فما عاد يحتملُ أكثر مما يحمِل!

أذكُر بأنّي كنتُ قادمةً من زيارةٍ خصصتُها لقلبِه القديم .. قلبهُ الذي كان يعرِفُني ولم يعُد يتعرّفُ عليّ الآن أبداً .. مررتُ بجانِب الدكاكينِ المصفوفةِ على طولِ ذاك الطريقِ الذي قادني إليه ..

كانت كُلّها تُذكّرُني باللحظاتِ التي تغافلنا فيها أعيُنَ المُحيطين بنا .. وسرِقناها ببراءةِ الأطفالِ و شقاوتِهم .. بعبثِهمِ العفويّ .. دونَ أن يلحظَ الجميعُ هُروبنا و اختبائنا عنهم ..

تُذكّرُني برسائلنا ذاتِ الأوراقِ الصفراء و حروفِنا المخطوطةِ بعناية .. و التي حرصنا على قراءتها مراراً و تكراراً .. حتى تليق لبعضِنا الآخر .. ولازلنا نرى كم كُنّا عاجزينِ عن إخبارِنا بكلّ شيء!

وكم كُنّا نُخفي وراء الكلمةِ ألفُ معنىً و معنى! نتسائلُ هل فهمناها جيّداً أم لا؟

حتى تلك المظاريفِ المُهترئة .. و التي ندسّها بين أيدينا و خلف ظُهورِنا .. ثم نرفعُها عالياً .. لنرى من يلتقِط رسالةَ الآخرِ أوّلاً ..

فنتلقّفها بلهفة .. و نفتحُها على عجل .. و قلبُنا يقرؤها قبل أن تقرأها عينانا!

أسألُ عن رسائلنا تلك؟ ألا زالت تحتفظُ برائحتها القديمة؟ المُعطّرةِ بشذى الوردِ العتيق ..

ألا زالت تحملُ أحاسيسها الأولى؟ و كلماتها الخجلى ؟ و نقشِها الباهِتِ على أطرافِ زواياها .. وهوامِشِها؟

أعلم، تسألون لمَ أردتُ نسيانَ بعض الذكرياتِ الجميلة؟ أستطيعُ أن أرى علاماتِ الاستفهامِ تعلو رؤوسكم!

اهدئوا قليلاً .. كلّ الأمرِ بأنّي لا أُريدُها أن توجِعني في الغد .. و في نفسِ الوقت .. أخشى نسيانها ..

بدأتُ أناقِضُني الآن .. حسنٌ .. بقدرِ مالا أريدُ نسيانها إلا أنني أريدُ من يقتلِعُها منّي .. و أعني هُنا .. يغتصِبُها منّي .. رُغماً عنّي!

حتى لا أقول بأنّي قد تخلّيتُ عنها أو نسيتُها بإرادتي .. هه! أأكذبُ على نفسي! ألا أعلمُ بأنّ النسيان لم يكن يوماً بإرادتنا ..

كثيراً ما أتسائل .. هل عطباً بالذاكرةِ يكفي لجعلي أفقدُ أجزاءً منها؟ أم أنّ ضربةً بالرأسِ قد تفي بالغرض! لا أدري!

كل ما أعرفهُ جيّداً بأنّي لا أريدُ أن أتقدّم نحو النسيانِ بنفسي .. أريدهُ هو أن يطرِق باب ذاكرتي .. لا أنا التي تطرِقُ بابه!

رأي واحد حول “بابُ النسيان

  1. اسماء أعطيني مفتاح هالباب
    وراح ادخله …
    احيانا يكون التخلي عن ذكرياتنا هو ارحم الحلول
    حتى لو ضمت بين زواياها ذكرى جميلة…

أضف تعليق